د. روان سليمان الحياري
لم تعد الأزمة اللبنانية مجرد مسألة داخلية تتعلق بسلاح حزب الله أو بقدرة الدولة على فرض سيادتها على كامل أراضيها. فالمفاوضات الجارية بوساطة أمريكية بين لبنان وإسرائيل تكشف عن تحوّل أعمق في المشهد الإقليمي، حيث أصبح لبنان ساحة اختبار لموازين القوى الجديدة في الشرق الأوسط، بعد سنوات من الحروب والصراعات بالوكالة.
تأتي هذه المفاوضات في لحظة إقليمية حساسة. فمنذ اندلاع الحرب في غزة وما تبعها من مواجهات على الجبهة اللبنانية، دخلت المنطقة مرحلة إعادة تموضع سياسي وأمني في لبنان كما في العراق وسوريا واليمن.
إقليميًا، تبدو المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية جزءًا من عملية أوسع لإعادة ترتيب ملفات الصراع في المنطقة. فبعد سنوات من التركيز على إدارة الأزمات، باتت القوى الدولية والإقليمية تبحث عن تسويات طويلة الأمد تبدأ من غزة ولا تنتهي عند الحدود اللبنانية. كما أن مستقبل لبنان يرتبط بشكل مباشر بمآلات التفاوض الأمريكي الإيراني، وعلى ما يبدو بما يضمن عدم استخدام الساحة اللبنانية كورقة ضغط في أي مساومات نووية أو أمنية مقبلة.
وفي الوقت نفسه، تدرك الدول العربية أن استقرار لبنان أصبح ضرورة للأمن الإقليمي. فاستمرار الازمة الاقتصادية أو اندلاع مواجهة واسعة بين إسرائيل وحزب الله لن يقتصر تأثيره على لبنان وحده، بل سيمتد إلى المنطقة بأكملها، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على الطاقة والتجارة والاستقرار السياسي.
لذلك تبدو المرحلة الحالية أشبه بلحظة مفصلية في تاريخ لبنان. فإما أن تنجح الدولة في استثمار الدعم الدولي والإقليمي لإعادة بناء مؤسساتها واستعادة احتكارها للقوة الشرعية، وإما أن يبقى البلد عالقًا بين منطق الدولة ومنطق المحاور، وساحة مفتوحة لتجاذبات الإقليم وصراعاته.
في النهاية، لا يتعلق السؤال المطروح اليوم بقدرة لبنان على تنفيذ اتفاق أمني أو نشر قوات إضافية فحسب، بل بقدرته على إعادة تعريف موقعه في الشرق الأوسط الجديد الذي يتشكل. فمستقبل لبنان بات مرتبطًا أكثر من أي وقت مضى بمستقبل التوازنات الإقليمية، وحصر واقع ساحة الصراع إلى حماية المصالح الوطنية ضمن نظام إقليمي أكثر استقرارا.